"تأخرت كثيرا يا غسان" هكذا علّق أحد العمال لدى دخول رئيس الإتحاد العمالي العام غسان غصن مقر مؤسسة الكهرباء في مار مخايل، متسائلا عن سبب حضوره اليوم وهو كان قد "نأى بنفسه" عن تقيم الدعم العملي لهم في إضرابهم المستمر منذ 93 يوما.
أما مجيء غصن لحضور الاجتماع مع لجنة متابعة الإضراب، وبحسب أحد المصادر النقابية، كان بدافع حمل العمال إلى "التهدئة مقابل التفاوض مع المعنيين"، إلا أن رد لجنة متابعة الإضراب فكان: "أية مفاوضات يجب أن تكون اللجنة هي سيدتها ولا تفاوض الآن حتى دفع الرواتب المتأخرة منذ 5 أشهر" خاصة وأن العمال على يقين بأنهم في ظل التصعيد لا يجدون آذانا صاغية، فكيف الحال وهم "هادئون"؟
قرار اللجنة هذا، عاد وتبناه غصن خلال المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه بأن" لا تراجع ولا مفاوضات قبل البدء بالأمر الأول وهو دفع مستحقاتكم". وكالعادة قال غصن ما لديه وغادر مسرعا وكأنه بذلك ينفض عن نفسه مسؤولية لم يكن بوارد حملها، ومن دون البقاء للتعرف على أصحاب المطلب والقضية والتحدث إليهم والرفع من معنوياتهم والتضامن معهم فعليا مختبرا بنفسه ولو لبضع ساعات ما خبروه هم طوال أشهر إضرابهم.
وإثر مغادرة غصن عادت اللجنة لتجتمع بأعضائها وأعلنت في بيانها أن الاعتصام داخل المؤسسة أصبح ابتداء من اليوم على مدار الساعة أي 24 على 24، كما أن أبوابها ستبقى مغلقة بالسلاسل الحديدية إلى حين دفع الرواتب، كما وجهت دعوة إلى عمال الدوائر في المناطق لاتباع الخطوة عينها. وقال لبنان مخول رئيس اللجنة أنه "كلما زادت الضغوطات علينا، كلما زادنا ذلك تصميما وتشبثا بوحدتنا أكثر، لذلك نقول لوزير الطاقة فلتسترح، فقد عودتنا طبيعة عملنا على التعب من أجل تأمين لقمة العيش." ويضيف "نحن لسنا بهواة حرق دواليب ولا تظاهر، نحن أصحاب حق عمره عشرون عاما من التعب والجوع والتضحية، وليتفضل المسؤولون بأخذ العبرة من وحدتنا هنا وليعمموها على باقي أرجاء الوطن بدل الانشغال بمحاولات شرذمتنا."وفي كلمته عدد مخول مطالب العمال والجباه وهي: دفع الرواتب والمستحقات المتأخرة أو تعهد مجلس إدارة مؤسسة الكهرباء خطيا بدفعها في تاريخ محدد، الإفراج عن جداول الحضور، التعهد بعدم جباية الفواتير التي سرقت يوم الجمعة وتنبيه المواطنين من عدم دفعها، التثبيت في ملاك المؤسسة بحسب ما نص عليه القانون.
إدارة مؤسسة كهرباء لبنان تعمم الظلام
ولم يطل رد إدارة المؤسسة الذي جاء انتقاميا من العمال والمواطنين على حد سواء متوعّدة إياهم بالمزيد من التقنين الكهربائي، فورد في البيان الذي أصدرته اليوم : "قررنا اعتبار المؤسسة مقفلة قسرا بسبب احتلالها من قبل بعض العمال المياومين وهذا الإجراء سيؤدي لقطع التيار." علما أن عمال معامل الإنتاج ليسوا مضربين بعد، وبالرغم من أنهم من المياومين إلا أن لجنة العمال كانت حريصة منذ البداية ولغاية هذه اللحظة على عدم شمولهم بالإضراب لتجنيب الناس العتمة خاصة في الصيف ويقول أحد العمال المضربين :"لو كان هدفنا أخذ الناس رهائن لعمدنا إلى الطلب من زملائنا في معامل الإنتاج إلى التوقف عن العمل، إلا أننا لا نريد أن نؤذي الناس ومصالحها، وبالدرجة الأولى لا نريد أن نؤذي أفراد عائلاتنا الذين سيكونون من أوائل المتضررين من هكذا خطوة." و أصدرت لجنة المياومين وجباة الإكراء بيانا ردت فيه على الإدارة معلنة أنها- أي الإدارة- هي المسؤولة عن انقطاع التيار وتقوم به عمدا من أجل تقليب الناس ضد العمال وجاء في البيان: "إن مهمة المياومين محصورة بالتوزيع والجباية فقط أما العمال المياومون بمعمل الإنتاج لا يزالون يعملون ولكن المدراء طلبوا منهم التوقف على خلفية تحميل أسباب انقطاع الكهرباء إلى العمال، وهذا مجاف للحقيقة لأن أمر قطع أو إعادة تشغيل المعامل هو بيد مجلس الإدارة وهذا السيناريو يدل على محاولات فاشلة لإخضاع العمال المياومين."

وكان العمال والعاملات قد توافدوا من كل المناطق اللبنانية ومنذ الصباح الباكر إلى مقر المؤسسة في مار مخايل النهر وعمدوا إلى إغلاق مداخلها بالأسلاك الحديدية مانعين الموظفين من الدخول إليها، وفي الوقت عينه، نفذ عدد من موظفي المؤسسة اعتصاما أمام البوابة الرئيسية لمؤسسة كهرباء لبنان لم يتخللها أية مواجهات مع المياومين والجباة. أحد المعتصمين أظهر موقفا معاديا للمضربين واصفا إياهم بـ"الزعران"، بالمقابل، برهن العمال المضربون عن وعيهم بضرورة عدم الانزلاق إلى مواجهة مع الموظفين كون معركتهم هي مع الإدارة لا مع من سيصبحون بعد التثبيت زملاء لهم.
وأتى تحرك اليوم كردة فعل على "سرقة" فواتير الجباية لتسليمها لشركات مقدمي الخدمات على يد ملحم خطار أحد مدراء المؤسسة وبالتنسيق مع جهات أمنية. وكتصعيد إضافي بوجه السلطة المتجاهلة لهم.
ورغم الضيق المعيشي الذي يعاني منه العمال نتيجة عدم قبض رواتبهم منذ أشهر إلا أنهم حضروا بكثرة إلى المؤسسة للدفاع عن حقهم بالتثبيت واضطر بعضهم إلى اللجوء إلى استدانة أجرة الطريق، فـ علي حمود مثلا جاء من مديرية صيدا للوقوف إلى جانب زملائه ويقول "أنا أعمل في المؤسسة منذ 19 سنة وقدمت لها الكثير من التضحيات واحترقت إحدى المرات أثناء قيامي بصيانة أحد الأعمدة، واليوم لا أستطيع دفع إيجار منزلي المتراكم منذ ثلاثة أشهر فيما المالك يتهددني بالطرد وكذلك قمت باستدانة أجرة الطريق من أجل مشاركة زملائي الاعتصام."

العمال هم مؤسسة كهرباء لبنان
مقابل اتهام جبران باسيل للعمال بـ "احتلال" مؤسسة الكهرباء، رد العمال والعاملات اليوم بهتاف "نحنا الكهرباء". وبالفعل فإن من يحمل الشركة على أكتافه، مع كل المشاكل التي تعتريها، هم هؤلاء العمال والعاملات، هم الذين ينتجون، هم الذين يقومون بأعمال الصيانة، هم الذين يجبون الأموال لها، وهم الذين قدموا ولا يزالون الكثير من التضحيات من أجسادهم تشوها ومن لحمهم حرقا من أجل أن لا تنقطع الكهرباء عن منازل الناس. "نحن مقاومون فعليون" يقول حسين منصور فـ"فعل المقاومة ليس محصورا بأهل السلاح، فتأمين الكهرباء عن القرى المحرومة هو فعل مقاوم أيضا". فحسين هو أحد العمال في دائرة كهرباء مرجعيون، عمل مع زملائه تحت القصف لتصليح الأعطال ولضمان عدم انقطاع التيار الكهربائي في عز الحرب وأثناء ضرب العدو الإسرائيلي لقرى الجنوب عام 2006 ودفع ثمن ذلك من جسده إثر إصابته بشظية في معدته. قصة حسين هي قصة العشرات من العمال الآخرين، ففؤاد عميص مثلا تطوع للعمل في صيانة الكهرباء خلال حرب تموز وهو كان يعمل لحسابه الخاص سابقا وأصبح عاملا مياوما بالمؤسسة بعد انتهاء الحرب. يأسف فؤاد لوضع إدارة المؤسسة فهي لم تدفع لهم حتى أجرة عملهم طوال 33 يوما من الحرب فيما كان العمال يدفعون من جيوبهم الخاصة بدل البنزين للقيام بأعمال الصيانة متنقلين في مناطق الجنوب، وبعد انتهاء الحرب يقول: "لم تقم الإدارة حتى بتهنئتنا بالسلامة فيما أدارت ظهرها لحقوقنا، لذلك نحن موجودون اليوم من أجل استعادة حقوق لنا أهدرت منذ زمن طويل".

1 comments:

  1. entrümpelung wien said...

    الموضوع ممتاز جدا
    entrümpelung
    entrümpelung
    entrümpelung wien



Copyright 2008| FARFAHINNE is powered by Blogger and K2 Beta Two by يساري مصري.
RSS Entries and RSS Comments