كميل داغر


أيتها اللبنانيات، أيها اللبنانيون

كما تلاحظون، فنحن وإن كنا مضطرين، دستورياً، لمخاطبة المجلس النيابي، تحديداً، في كلمة ندلي بها أمامه لنيل الثقة، إنما نتوجه إليكم جميعاً، عبر ما يمكن أن نصفه هذه المرة بالبيان التأسيسي، مع أننا، من الناحية الشكلية، لسنا مكلفين بمهمة كهذه، ولسنا حكومة تشكلت بعد انتخاب جمعية تأسيسية، هذه الجمعية التي يفتقدها بلدنا، والتي ليست الى الآن، للأسف الشديد، جزءاً من تراثه السياسي. فالمجلس التأسيسي الوحيد، في تاريخه، هو ذلك الذي تم انتخابه في السنوات الاولى من حقبة الانتداب، وانتج منذ العام 1926، الدستور ذاته المعمول به إلى ايامنا هذه ، مع بعض التعديلات. وهي تعديلات لم يكن لكم أيها اللبنانيون واللبنانيات أي دور في إنتاجها، إذ كان يتم التوافق عليها في الدوائر العليا للسلطة في هذا البلد، وتحت تأثير الدول الاجنبية، قريبة كانت أو بعيدة، كما حدث بوجه خاص حين أُقر اتفاق الطائف، ذلك الاتفاق الذي يمكنكم أن تكشفوا جانباً أساسياً من غربته عنكم، انطلاقاً من تسميته بالذات.

نقول إننا نتوجه إليكم، وذلك بالضبط لأن ما يتضمنه بياننا هذا سوف يواجه على الارجح، معارضة شعواء من كل القوى، المحلية والخارجية، التي طالما جعلت بلدنا ساحة لصراعات لا علاقة لها بتاتاً بالمصالح الفعلية للغالبية الساحقة من بينكم، ومفتوحة باستمرار على احتمالات الانفجار التي تطورت مراراً إلى الاسوأ بين الانفجارات ، واشدها كارثية، عنينا الحروب الاهلية. ولأجل ذلك فنحن نستنهض لديكم ، اذ نقدم برنامجنا هذا ، إرادة المواجهة والتصدي، بحيث نتمكن بعونكم، وبدعمكم، من إحباط تلك المعارضة وما سوف يلازمها من دسائس وهجمات، وندعوكم، في آنٍ، لممارسة شتى الاشكال الديمقراطية من الضغط، لإقناع المجلس النيابي، الذي نمثل أمامه الآن، بالتصويت لصالح هذا البرنامج. وهو برنامج مقتضب، كما سترون، أردنا أن نضمنه العناوين الأهم لعملية إنقاذ بلدنا من المصير القاتم الذي يتهدده. عناوين تبدأ بسد الفجوة الاشد خطورة، التي تفصل بينكم، والمتمثلة بالبنيان الطائفي والمذهبي المقيت للدولة والمجتمع اللبنانيين، وبغياب قانون ديمقراطي حقيقي للتمثيل السياسي، وتمر بانضاج حل متقدم للمشكلة الاجتماعية – الاقتصادية، وصولاً إلى المعالجة السليمة للقضية الوطنية، وفي إطارها لمسألة المقاومة وسلاحها.

أولاً: في الطائفية والتمثيل السياسي

منذ أيام المتصرفية ومجلس الادارة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عمد المتصرف العثماني داوود باشا، إلى الضغط لأجل التخفيف من ثقل البناء الطائفي الذي أقرته الحكومات الاجنبية المنصِّبة نفسها آنذاك وصية على الجبل اللبناني، وبالتالي لإلغاء مجلس وكلاء الطوائف السداسي، ليعود دستورالعام 1926 فيبرز السمة المؤقتة لطائفية المناصب والوظائف، في مادته الخامسة والتسعين، وليكشف البيان الوزاري لأول حكومة بعد استقلال العام 1943، ومنذ ذلك الحين، مدى خجل أقطابها من استمرار البنية الطائفية للدولة الجديدة، وتطلعهم لتجاوزها، ولو أن ذلك بقي أضغاث أحلام!

أيها اللبنانيون واللبنانيات

ايماناً منا بأن الأمل الوحيد في أن يكف هذا البلد عن الانزلاق في منحدر التمزق والزوال يكمن في إنجاز العلمنة الشاملة للدولة والمجتمع اللبنانيين، نعتقد أن لا مناص بالتالي من الشروع الآن، كخطوة أولى ومن دون إبطاء، في تنفيذ ما نص عليه اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية التي اعقبته، على صعيد فصل الدين عن الدولة، وفي إعادة الاعتبار للمشروع الذي اقرته آخر حكومات الرئيس الاسبق، الياس الهراوي، والمتمثل في اعتماد الزواج المدني الاختياري، بانتظار الاقرار النهائي بعد ذلك لقانون مدني مكتمل للأحوال الشخصية. وكامتداد لهذه السيرورة، وبالتلازم معها، سوف يتمثل أول مسعى لدينا، لتجاوز بؤس الصفقة التي انعقدت في الدوحة قبل اسابيع قليلة، بخصوص قانون الانتخابات النيابية، في إنتاج قانون ديمقراطي متقدم حقاً، يقوم على التمثيل النسبي غير الطائفي ولبنان دائرة واحدة، والحصة النسائية التي لا تقل عن 30% من المقاعد النيابية، وسن الـ 18 للانتخاب، والسقف الأقصى للنفقات الانتخابية، وقمع الرشوة وشراء الاصوات، والاقتراع في مكان السكن، وما إلى ذلك من شروط التمثيل السياسي الديمقراطي. وبقدر ما ستقدمون لنا الدعم والتضامن والعون ، في هذا المجال، سيشكل ذلك خطوة جبارة على طريق بناء وطن متماسك ومنسجم بالفعل، ومواطنية حقيقية عصية على القهر، يتساوى بموجبها الجميع أمام القانون، ويتوحدون هويةً وانتماءً.

ثانياً: في المسألة الاجتماعية – الاقتصادية

إننا، ايها اللبنانيون واللبنانيات، لَنُدركُ بعمق مدى الظلم والاجحاف الذي الحقته الحكومات التي سبقتنا بأوسع نسبة من المواطنين، من عمالٍ وفلاحين، وعاطلين عن العمل ومهمّشين، وحرفيين ومنتجين صغار آخرين، وغيرهم من المنحدرين إلى الفقر، وما دونه، المقتربين في احيان كثيرة من مستوى المجاعة. وبما أننا على يقين، على الرغم من سعي نسبة عالية جداً ، ومتعاظمة باستمرار، من ابناء شعبنا اليائسين ممن سبقونا إلى سدة الحكم، ومنا أيضاً، للخروج من هذه الورطة بالهجرة، مكررين ما سبق أن فعله آباء واجداد لهم منذ اواسط القرن التاسع عشر الى الآن، فلقد قررنا في استجابة ولو متأخرة لتطلعاتكم وآمالكم، أن نضرب عرض الحائط بما كانت خططت له حكومات سابقة على امتداد العقدين الاخيرين، ولا سيما تلك التي سبقتنا مباشرة، وكانت قد اعلنت عما سمته ورقتها الاصلاحية للاقتصاد اللبناني، التي تشكل، فيما لو تم وضعها موضع التنفيذ، كارثة وطنية حقيقية. على ان نعتمد عوضاً من ذلك، برنامجاً مختلفاً تماماً، هذه هي بعض بنوده الاساسية:

أ – استجابة مطالب الاتحاد العمالي العام بخصوص الحد الأدنى للأجور، والتطبيق الصارم لمبدأ السلّم المتحرك للأجور، فضلاً عن ضمان ديمومة العمل، واعتماد سياسة اجتماعية – اقتصادية من شأنها وضع حد للبطالة ووقف نزيف الادمغة واستعادة تلك التي سبق أن هاجرت وخسرها الوطن وتطلعاته الى تنمية مستدامة قادرة على تأمين البحبوحة والازدهار.

ب – الحؤول دون المضي في الخصخصة، والسعي الحثيث لحماية القطاع العام، واخضاعه لرقابة مشددة يشارك فيها العاملون فيه، فضلاً عن المحاسبة الصارمة لكل حالات الفساد والهدر في شتى الادارات والمؤسسات .

ج – اعتماد الضريبة التصاعدية على الدخل، ولا سيما على أرباح المضاربات المالية والعقارية وما إلى ذلك من الصفقات الرأسمالية ، وإنزال اشد العقاب بالتحايل والتهرب من الضريبة من جانب ارباب العمل واصحاب المهن الحرة والتجار وغيرهم من اصحاب الدخول المرتفعة.

د – وقف الاستدانة، وفرض تحقيق شامل ونزيه لكشف حقيقة صرف عشرات المليارات من الدولارات المستدانة في العقدين الاخيرين ، مع ما رافق ذلك من نهب وهدر، وتحديد المسؤولين عن ذلك والمستفيدين منه، ومحاسبتهم الصارمة على افعالهم، واستعادة الأموال المنهوبة مع فوائدها. فضلاً عن استعادة الاملاك البحرية وغيرها من الاملاك العامة من مستثمريها غير الشرعيين الحاليين، بعد اجراء تسوية لصالح الخزينة تأخذ بالاعتبار الارباح المحققة سابقاً من استثمارها.

هـ- المضي في استكشاف وجود كميات من النفط والغاز في المياه الاقليمية لاجل استخراجها ووضع اسس صناعة نفطية تملكها الدولة وتتشارك مع العاملين فيها في تسييرها، وفقاً للالتزام الاقصى بشروط حماية البيئة والبحر من التلوث.

و – التسليف بفائدة منخفضة للمزارعين، وتنظيم نزيه لتصريف المنتجات الزراعية، وتقديم دعم جدي لقيام العمل التعاوني، ولا سيما في مجالي الانتاج والتسويق، ولاستكمال بنية تحتية متقدمة للزراعة، وفي مقدمة ذلك إنشاء السدود المدروسة، وحماية حقوق لبنان الكاملة في مياهه، والعمل على الاستفادة السليمة القصوى منها.

ز – تنفيذ برنامج متقدم لحماية الطبيعة، ومصادر المياه، والغابات، ووقف المرامل والكسارات نهائياً، والمكافحة الفورية للحرائق وإنزال العقاب الصارم بمفتعليها، وإيجاد حل جذري للنفايات الصلبة والسائلة، والحيلولة دون التلوث الناجم عن الصناعة ومياه الصرف، وبوجه اخص ذلك الذي يصيب الانهار والسدود والشواطئ، ومياه البحر. وفي إطار ذلك ، استكمال تنظيف جذري للبحر من آثار التلوث الناجم عن القصف الاسرائيلي للمنشآت النفطية الساحلية خلال حرب تموز – آب 2006.

ثالثاً: في القضية الوطنية والسلاح المقاوم

إن هذه الحكومة- إذ تدرك بعمق أن الخلاف الذي تفاقم في السنوات الثلاث الاخيرة، وقسم البلد بصورة خطيرة بخصوص الصراع مع إسرائيل وقضية المقاومة وسلاحها، يخدم بالدرجة الاولى العدو الصهيوني والقوى العالمية التي تؤمّن الدعم والحماية غير المشروطة له، وفي مقدمتها الادارة الاميركية- تدرك في الوقت نفسه أن هذا الصراع لن ينتهي، حتى في حال استعادة مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا، بل هو مرشح للاستمرار طالما بقيت اسرائيل كدولة عنصرية استيطانية وتوسعية، مع ما يلازم ذلك من اطماع سواء بخصوص لبنان ومياهه وأراضيه، أو بخصوص ما تبقى من فلسطين في ايدي ابنائها الاصليين، ومن حرمان للاجئين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في العودة إلى أرضهم واملاكهم في وطنهم التاريخي، وضغط لتوطينهم حيث يقيمون، اكان في البلدان العربية المجاورة، ومن ضمنها لبنان، أو في الشتات العالمي.

ولأجل ذلك، فإن هذه الحكومة على يقين تام بالحاجة القصوى لاعتماد استراتيجية دفاعية متقدمة ، تجمع إلى بناء جيش وطني مجهز بأحدث الأسلحة ومدرب عليها أفضل تدريب، وجود مقاومة وطنية قادرة على خوض أشكال القتال الشعبي على اختلافها، وإنزال الهزيمة بأي محاولة من جانب العدو الصهيوني لاحتلال اراضٍ لبنانية أو الاعتداء على المواطنين اللبنانيين. وهي مقاومة يفترض أن تكون مفتوحة أمام كل المواطنين المهتمين بالانخراط الفاعل في الدفاع عن وطنهم، في إطار الاستراتيجية الدفاعية الشاملة المشار إليها أعلاه.

أيتها اللبنانيات ، أيها اللبنانيون

على أساس هذا البرنامج الشامل، والمتواضع في الوقت عينه، ندعوكم جميعاً إلى تقديم أقصى إسهامكم في تسهيل وضعه موضع التنفيذ. ومن ضمن ذلك، ومجدداً، فإننا نستنهض لديكم إرادة الدعم الفاعل للتوجهات الاساسية التي يقوم عليها، بما يتيح تسهيل الحصول على ثقة المجلس النيابي الحالي، تمهيداً لإقرار قانون ديمقراطي متقدم للانتخابات النيابية، حددنا أعلاه سماته الأساسية، يكون مدخلاً لانتخاب مجلس نيابي جديد في الربيع القادم يعكس إلى اقصى حد ممكن الارادة الشعبية الفعلية، ويسمح بتنافس البرامج الحر والواعي أمام اوسع الجماهير، ووفقاً لافضل شروط المواجهة الديمقراطية.

0 comments:



Copyright 2008| FARFAHINNE is powered by Blogger and K2 Beta Two by يساري مصري.
RSS Entries and RSS Comments